فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ومن الإفك الناشىء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن {الذى تولى كِبْرَهُ} فقال له: هو ابن أبي كذبت هو علي يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وقد روي ذلك عن هشام البخاري والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، ولا بدع من أموي الافتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه.
وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك.
وفي رواية أنه قال: يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستندًا لذلك الأموي الناصبي.
وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فيه من الغم غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين، ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر.
{لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ}.
التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم، واستظهر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه، واختير الخطاب لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ، ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى: {ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات الله خَيْرًا} لكن لا بطريق الاعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تلا ويزجرهم عن ضده زجرًا بليغا وهو الإيمان وكونه مما يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11] وقوله سبحانه: {ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 85] ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فاخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة؛ ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي فايجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به، وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضًا فإيجابه له من حيث أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل، والنكتة في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقًا أي سواء كان المعمول الموسط ظرفًا أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم الإتيان به رأسًا في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيرًا {وَقَالُواْ} في ذلك الآن {هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي ظاهر مكشوف كونه إفكًا فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما.
ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيرًا بأهل ملتهم عائشة وصفوان وقالوا إلخ.
{لَوْلاَ جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء}.
إما من تمام القول المحضض عليه مسوق لتوبيخ السامعين على ترك الزام الخائضين أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء} الأربعة، وكان الظاهر فإذا لم يأتوا بهم إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير {فَأُوْلَئِكَ} إشارة إلى الخائضين، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد أي فأولئك المفسدون {عَندَ الله} أي في حكمه وشريعته {هُمُ الكاذبون} أي المحكوم عليهم بالكذاب شرعًا أي بأن خبرهم لم يطابق في الشرع الواقع، وقيل: المعنى فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون الذين لم يطابق خبرهم الواقع في نفس الأمر لأن الآية في خصوص عائشة رضي الله تعالى عنها وخبر أهل الأفك فيها غير مطابق للواقع في نفس الأمر في علمه عز وجل.
وتعقب بأن خصوص السبب لا ينافي عمون الحكم مع أن ظاهر التقييد بالظرف يأبى ذلك.
وجعله من قبيل قوله تعالى: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] خلاف الظاهر، وأيًا ما كان فالحصر للمبالغة، وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته سبحانه وتعالى تقريرًا لكون ذلك إفكًا. اهـ.

.قال القاسمي:

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} أي: بأبلغ ما يكون من الكذب، وقيل هو البهتان لا تشهر به حتى يفجأك. والمراد به ما أفك به الصديقة، أم المؤمنين رضي الله عنها؟ فاللام للعهد ويجوز حمله على الجنس. قيل: فيفيد القصر، كأنه لا إفك إلا هو. وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل: {عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} أي: جماعة منكم، خبر إن ومنكم نعت لها. وبه أفاد الخبر. وقوله تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} مستأنف، والهاء ضمير الإفك أو القذف. والخطاب لرسول الله صلوات الله عليه، ولآل الصديق رضي الله عنهم، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين. تسلية لهم من أول الأمر. وقوله تعالى: {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} زيادة في التسلية والتكريم. أي: لا تظنوه يلحق تهمة بكم أو يوقع نقيصة فيكم، بل قد جرّ لكم خيرًا عظيمًا.
قال الزمخشريّ: ومعنى كونه خيرًا لهم، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم. لأنه كان بلاءً مبينًا ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، وتنزيهٌ لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه. وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} أي: جزاؤه، وذلك الذم في الدنيا إلى يوم القيامة، والجلد ثمانين. ولعذاب الآخرة أشد: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: قام بعظمه وإشاعته، بعد ابتدائه بالخوض فيه، وهو رأس المنافقين عبد الله بن أُبَيّ، لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلًا إلى الغميزة.
روى الطبري عن ابن زيد قال: أما الذي تولى كبره فعبد الله بن أُبيّ بن سلول الخبيث. هو الذي ابتدأ هذه الكلام وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها. والعذاب العظيم يعم عذابي الدارين، كما قلنا.
{لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} أي: بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]، قال الشهاب: وهذا من بديع الكلام. وقد وقع في القرآن كثيرًا. وهو بحسب الظاهر يقتضي أن كل واحد يظن بنفسه خيرًا، وليس بمراد. بل أن يظن بغيره ذلك. وتوجيهه أنه مجاز لجعله اتحاد الجنس كاتحاد الذات ولذا فسر قوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، بلا تقتلوا من كان من جنسكم أو يجعلهم كنفس واحدة، فمن عاب مؤمنًا فكأنما عاب نفسه، ويجوز أن يقدر فيه مضاف. أي: ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر. وقال الكرماني في حديث: «أموالكم علكم حرام» إنه كقولهم: بنو فلان قتلوا أنفسهم أي: قتل بعضهم بعضًا، مجازًا أو إضمارًا للقرينة الصارفة عن ظاهره. ولولا تحضيضية بمعنى: هلا: {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} أي: هذا الذي سمعناه، من رمي أم المؤمنين، إفك مبين جليّ لمن عقل وفكر فيه. قال العلامة الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة؟ وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات. وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتضٍ ألا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها، قولَ عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه على أن حق المؤمن، إذا سمع قالة ً في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظن، لا على الشك. وأن يقول بملء فيه- بناءً على ظنه بالمؤمن الخير-: {هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}. هكذا باللفظ المصرح ببراءة ساحته. كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال. وهذا يدل من الأدب الحسن الذي قلّ القائم به والحافظ له. وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بأخواتٍ! انتهى.
{لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ} أي: في حكمه وشريعته المؤسسة على الدلائل الظاهرة المستيقنة: {هُمُ الْكَاذِبُونَ} أي الكاملون في الكذب، المشهود عليهم بذلك. قال الزمخشري: وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدّوا في دفعه وإنكاره. واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة والتنكيل به، إذا قذف امرأة محصنة من عُرْضِ نساء المؤمنين. فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبة حبيب الله؟. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}.
استئناف ابتدائي فإن هذه الآيات العشر إلى قوله تعالى: {والله سميع عليم} [النور: 21] نزلت في زمن بعيد عن زمن نزول الآيات التي من أول هذه السورة كما ستعرفه.
والإفك: اسم يدل على كذب لا شبهة فيه فهو بهتان يفجأ الناس.
وهو مشتق من الأفك بفتح الهمزة وهو قلب الشيء، ومنه سمي أهل سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم قرى قوم لوط أصحاب المؤتفكة لأن قراهم ائتفكت، أي قُلبت وخسف بها فصار أعلاها أسفلها فكان الإخبار عن الشيء بخلاف حالته الواقعية قلبًا له عن حقيقته فسمي إفكًا.
وتقدم عند قوله تعالى: {فإذا هي تلقف ما يأفكون} في سورة الأعراف (117).
و{جاءو بالإفك} معناه: قصدوا واهتموا.
وأصله: أن الذي يخبر بخبر غريب يقال له: جاء بخبر كذا، لأن شأن الأخبار الغريبة أن تكون مع الوافدين من أسفار أو المبتعدين عن الحي قال تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ} [الحجرات: 6]؛ فشبه الخبر بقدوم المسافر أو الوافد على وجه المكنية وجعل المجيء ترشيحًا وعدي بباء المصاحبة تكميلًا للترشح.
والإفك: حديث اختلقه المنافقون وراج عند المنافقين ونفر من سذج المسلمين إما لمجرد اتباع النعيق وإما لإحداث الفتنة بين المسلمين.
وحاصل هذا الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق من خزاعة، وتسمى غزوة المريسيع ولم تبق بينه وبين المدينة إلا مرحلة.
آذن بالرحيل آخر الليل.
فلما علمت عائشة بذلك خرجت من هودجها وابتعدت عن الجيش لقضاء شأنها كما هو شأن النساء قبل الترحل فلما فرغت أقبلت إلى رحلها فافتقدت عقدًا من جَزْع ظَفَارِ كان في صدرها فرجعت على طريقها تلتمسه فحبسها طلبه وكان ليل.
فلما وجدته رجعت إلى حيث وضع رحلها فلم تجد الجيش ولا رحلها، وذلك أن الرجال الموكلين بالترحل قصدوا الهودج فاحتملوه وهم يحسبون أن عائشة فيه وكانت خفيفة قليلة اللحم فرفعوا الهودج وساروا فلما لم تجد أحدًا اضطجعت في مكانها رجاء أن يفتقدوها فيرجعوا إليها فنامت وكان صفوان بن المعطِّل بكسر الطاء السُّلمي بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليم وكان مستوطنًا المدينة من مهاجرة العرب قد أوكل إليه النبي صلى الله عليه وسلم حراسة ساقة الجيش، فلما علم بابتعاد الجيش وأمن عليه من غدر العدو ركب راحلته ليلتحق بالجيش فلما بلغ الموضع الذي كان به الجيش بصُر بسواد إنسان فإذا هي عائشة وكان قد رآها قبل الحجاب فاسترجع، واستيقظت عائشة بصوت استرجاعه ونزل عن ناقته وأدناها منها وأناخها فركبتها عائشة وأخذ يقودها حتى لحق بالجيش في نحر الظهيرة وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأسُ المنافقين في الجيش فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، فراج قوله على حسان بن ثابت ومِسْطح بن أثاثة بكسر ميم مسطح وفتح طائه وضم همزة أثاثة وحَمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين حملتها الغيرة لأختها ضرة عائشة وساعدهم في حديثهم طائفة من المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي.